الأحد، 30 أبريل 2017

فضل الصوم

كتاب الصيام:
باب وجوب صيام رمضان:
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ) [سورة: البقرة - الآية: 183-184].
الصيام في اللغة الإمساك، قال تعالى: (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا) [سورة: مريم - الآية: 26]، أي إمساكا عن الكلام. وفي الشرع: الإمساك عن الطعام والشراب والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس مع النية. وفي الحديث المتفق عليه: " يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي ". وقال تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ) [سورة: البقرة - الآية: 187].
وقال تعالى: (وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ، ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ) [سورة: البقرة - الآية: 187].
أياما معدودات: أي أيام قلائل، لأن المعدود يطلق في الغالب على القليل لسهولة عده، وهي تسعة وعشرون يوما أو ثلاثون، وهي أيام شهر رمضان:
قال تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ، فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) [سورة: البقرة - الآية: 185].
روى الشيخان من حديث ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا "، يَعْنِي مَرَّةً تِسْعَةً وَعِشْرِينَ، وَمَرَّةً ثَلَاثِينَ.
وفي رواية لهما: " وَخَنَسَ الْإِبْهَامَ فِي الثَّالِثَةِ ".
وروى مسلم من حديث سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم بِيَدِهِ عَلَى الْأُخْرَى، فَقَالَ: " الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا، ثُمَّ نَقَصَ فِي الثَّالِثَةِ إِصْبَعًا ".
وروى مسلم من حديث عَائِشَةَ أَنّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم أَقْسَمَ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَى أَزْوَاجِهِ شَهْرًا، قَالَتْ: لَمَّا مَضَتْ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً أَعُدُّهُنَّ، دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم قَالَتْ: بَدَأَ بِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ أَقْسَمْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا، وَإِنَّكَ دَخَلْتَ مِنْ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ أَعُدُّهُنَّ، فَقَالَ: " إِنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ ".
وروى الشيخان من حديث ابْن عَبَّاسٍ، قَالَ: " أَصْبَحْنَا يَوْمًا وَنِسَاءُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يَبْكِينَ عِنْدَ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ أَهْلُهَا، فَخَرَجْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَإِذَا هُوَ مَلْآنُ مِنَ النَّاسِ، فَجَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَصَعِدَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم وَهُوَ فِي غُرْفَةٍ لَهُ، فَسَلَّمَ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، ثُمَّ سَلَّمَ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، ثُمَّ سَلَّمَ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، فَنَادَاهُ فَدَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم فَقَالَ: أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنْ آلَيْتُ مِنْهُنَّ شَهْرًا، فَمَكَثَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ ".
وروى البخاري من حديث أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: " آلَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم مِنْ نِسَائِهِ، وَكَانَتِ انْفَكَّتْ رِجْلُهُ، فَأَقَامَ فِي مَشْرُبَةٍ تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ نَزَلَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آلَيْتَ شَهْرًا؟ فَقَالَ: إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ ".
وروى الشيخان من حديث أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، " أَنّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم آلَى مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا، فَلَمَّا مَضَى تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا، غَدَا أَوْ رَاحَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ حَلَفْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ شَهْرًا؟ فَقَالَ: إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا ".
والصوم أحد الأركان الخمس التي بني عليها الإسلام، كما في حديث عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ ". أخرجه الشيخان.
وروى الشيخان من حديث طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثَائِرَ الرَّأْسِ، فَقَالَ: " يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ شَيْئًا، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصِّيَامِ؟ فَقَالَ: شَهْرَ رَمَضَانَ، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ شَيْئًا، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي بِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الزَّكَاةِ؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ، قَالَ: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ لَا أَتَطَوَّعُ شَيْئًا وَلَا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ، أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ ".
باب فضل الصيام، الصيام جنة من النار:
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، أي لتكون من المتقين، لأن الصيام يعين على ترك المعاصي،
روى الشيخان من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم قَالَ: الصِّيَامُ جُنَّةٌ ". أي وقاية من الشهوات، أو من النار.
وروى النسائي وأحمد وابن خزيمة من حديث عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يَقُولُ: " الصَّوْمُ جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ كَجُنَّةِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْقِتَالِ ".
وروى النسائي والدارمي وابن خزيمة من حديث أَبي عُبَيْدَةَ، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يَقُولُ: " الصَّوْمُ جُنَّةٌ مَا لَمْ يَخْرِقْهَا ". أي بالمعاصي من جهل ورفث وغِيبة وقول زور وغيرها.
وروى أحمد من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم قَالَ: " الصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَحِصْنٌ حَصِينٌ مِنَ النَّارِ ",
وإنما كان الصيام جنة من النار، لأنه يمنع صاحبه من الشهوات، والنار محفوفة بها، ولا يزال العبد يقتحم في المعاصي والشهوات حتى يدخل النار.
وروى أحمد والترمذي من حديث مُعَاذٍ، أَنّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم قَالَ: " سَأُنَبِّئُكَ بِأَبْوَابٍ مِنَ الْخَيْرِ: الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ، وَقِيَامُ الْعَبْدِ مِنَ اللَّيْلِ "، ثُمَّ قَرَأَ: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) [سورة: السجدة - الآية: 16].
خلوف فم الصائم:
الخلوف: تغير رائحة فم الصائم، من الصيام، بسبب فراغ معدته من الطعام والشراب.
روى الشيخان من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ ". وهو كناية عن الرضا عن الصائم وإثابته وقبول عمله.
وفي رواية لمسلم: " أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ ". أي أطيب عنده من طيب ريح المسك عندكم.
باب ثواب الصيام:
روى الشيخان من حديث أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: قَالَ اللَّهُ: " كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ".
وفي رواية عند مسلم: " كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ، قَالَ اللَّهُ عز وجل: " إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ".
وهذه الإضافة تقتضي تخصيصه بالمزيد من التشريف، لأن الأعمال كلها أصالة لله، ولكن شرفه الله بإضافته إليه، وهو يجزي عنه بغير حساب، والصائمون من جملة الصابرين الذين وعدهم الله بإجزال الثواب، بل هم الصابرون حقا، قال تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) [سورة: الزمر - الآية: 10].
للصائم فرحتان:
روى الشيخان من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم قَالَ: " لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ حِينَ يُفْطِرُ، وَفَرْحَةٌ حِينَ يَلْقَى رَبَّهُ ". وفي رواية لهما: " إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ ".
اختصاص الصائمين بباب الريان:
روى الشيخان من حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا، يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا يَدْخُلُ مَعَهُمْ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَدْخُلُونَ مِنْهُ، فَإِذَا دَخَلَ آخِرُهُمْ أُغْلِقَ، فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ ". وفي رواية عند البخاري: " فِي الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ، فِيهَا بَابٌ يُسَمَّى الرَّيَّانَ، لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا الصَّائِمُونَ ". والريان مشتق من الري، واكتُفِيَ بِذِكرِ الرِّيِّ عَن الشِّبَع لِكَونِهِ أَشَقّ عَلَى الصّائِم مِنَ الجُوع،  أو لأن ذكر الري يستلزم الشبع، والأول أولى.
وفي رواية عند النسائي وأحمد وابن خزيمة: " مَنْ دَخَلَ فِيهِ شَرِبَ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا ".
وهذا الثواب وعد للصائمين الذين يتقربون إلى الله بنوافل الصيام، على ما هو ظاهر الحديث، ويدل عليه أيضا ما رواه الشيخان من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم قَالَ: " مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، نُودِيَ فِي الْجَنَّةِ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ "، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلَى أَحَدٍ يُدْعَى مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ كُلِّهَا؟، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " نَعَمْ وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ ". والمُراد بِالزَّوجَينِ إِنفاق شَيئَينِ مِن أَي صِنف مِن أَصناف المال. والمقصود الاستكثار من عمل النوافل من صلاة وصدقة وصيام وغيرها.
انفتاح أبواب الجنة وإغلاق أبواب النار استبشارا بقدوم رمضان:
روى الشيخان من حديث أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ، فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ ".
وفي رواية للبخاري: " فُتِّحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ ". وفي رواية لمسلم: " أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ ". وفي رواية له: " وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ ".
وروى الترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد وابن خزيمة وابن حبان والحاكم من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَاب، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَاب، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ ".
وروى النسائي وأحمد وابن خزيمة من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ، فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ ".
فدل على أن مردة الشياطين هم الذين يقيدون، لا كل الشياطين. وقد اعترض ما دل عليه هذا الحديث بدعوى أن أهل الكبائر لا يتورعون عن الفواحش في رمضان، والجواب أن المعاصي ليست أسبابها مقصورة على وسوسة الشياطين، بل هناك النفوس الخبيثة والشياطين الإنسية التي هي شر من شياطين الجن. قال تعالى: (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ) [سورة: الأنعام - الآية: 121]. أي يستعين شياطين الجن بأوليائهم من شياطين الإنس لإغواء المؤمنين.
صوم رمضان إيمانا واحتسابا ونية:
روى الشيخان من حديث عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يَقُولُ: " إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ".
وروى الشيخان من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ".
أي إيمانا بأن الله فرضه، واحتسابا للأجر، فهو يصومه امتثالا للأمر، واحتسابا للأجر. لا كمن يصومه حمية لبدنه من أضرار الامتلاء من الطعام والشراب، أو خوفا من معاتبة النفس، لأنه في نظره لا يليق أن يفطر والناس صائمون، فمن كانت نيته كذلك فصيامه مردود حتى يصومه امتثالا لأمر ربه.
وروى النسائي وابن ماجه وأحمد وابن خزيمة من حديث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عَوف، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَرَضَ عَلَيْكُمْ صِيَامَ رَمَضَانَ، وَسَنَنْتُ لَكُمْ قِيَامَهُ، فَمَنْ صَامَهُ وَقَامَهُ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ".
باب أمر من لا يستطيع النكاح بالصوم:
روى الشيخان من حديث عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود، قال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم شَبَابًا لَا نَجِدُ شَيْئًا، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ ".
الْبَاءة: يعني: النِّكاحَ والتَّزَوّجَ، وهو من الباءة بمعنى المنْزِلِ، لأن مَن تزوّج امْرأة بَوَّأها مَنْزلا. أي أن الصوم يحبس شهوته كما يحبسها الوجاء، والوِجَاء: أنْ تُرَضَّ أُنْثَيا الفَحْل رَضّا شَديدا يُذْهِبُ شَهْوةَ الجِماع، وقيل: هو أن تُوجَأ العُروق والخُصْيَتانِ بِحالِهما.
باب فضل شهري العيد:
روى الشيخان من حديث  أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم قَالَ: " شَهْرَانِ لَا يَنْقُصَانِ: شَهْرَا عِيدٍ، رَمَضَانُ وَذُو الْحَجَّةِ ".
قيل: لا يَنقُصانِ فِي الفَضِيلَةِ إِن كانا تِسعا وعِشرِينَ أَو ثَلاثِينَ.  وقِيلَ: لا يَنقُصانِ مَعًا، إِنَّ جاءَ أَحَدهما تِسعًا وعِشرِينَ جاءَ الآخَر ثَلاثِينَ ولا بُدَّ، والله أعلم.
باب العمل في رمضان:
الجود ومدارسة القرآن:
روى الشيخان من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: " كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ، حَتَّى يَنْسَلِخَ، يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم الْقُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام، كَانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ ".
أي من الريح التي تسوق السحاب وتأتي بالغيث ويعم نفعها.
وعلى هذا فالمؤمن عليه أن يحرص على تزكية نفسه خلال هذا الشهر العظيم بكثرة الذكر وقراءة القرآن والقيام، وعندما تزكو نفسه فإنها تسعى في فعل الخيرات وإيصال الخير والإحسان إلى الناس.
وفي رواية للبخاري: " وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ ".
وروى الشيخان من حديث جَابِرِ بن عبد الله رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قال: " مَا سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم عَنْ شَيْءٍ قَطُّ فَقَالَ: لَا ".
وروى البخاري من حديث سَهْلِ بن سَعْد رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، " أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم بِبُرْدَةٍ مَنْسُوجَةٍ، قَالَتْ: نَسَجْتُهَا بِيَدِي فَجِئْتُ لِأَكْسُوَكَهَا، فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإِنَّهَا إِزَارُهُ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اكْسُنِيهَا، مَا أَحْسَنَهَا؟ فقَالَ الْقَوْمُ: مَا أَحْسَنْتَ، لَبِسَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، ثُمَّ سَأَلْتَهُ وَعَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ، قَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُهُ لِأَلْبَسَهَا، إِنَّمَا سَأَلْتُهُ لِتَكُونَ كَفَنِي؟ "، قَالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ كَفَنَهُ.

وروى الدارمي من حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم حَيِيًّا، لَا يُسْأَلُ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ ".