إشكالات في
صفة الصلاة: المواضع التي ورد فيها رفع اليدين في الصلاة: ثبت في
الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ
حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلاةَ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا
كَذَلِكَ، وَلا يَفْعَلُ ذَلِكَ حِينَ يَسْجُدُ وَلا حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنْ
السُّجُودِ. وعند مسلم: وَلا يَرْفَعُهُمَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ. وزاد البخاري:
وَإِذَا قَامَ
مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ رَفَعَ يَدَيْهِ، وفي سنن الترمذي
عن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: وَلا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ صَلاتِهِ وَهُوَ
قَاعِدٌ فَإِذَا قَامَ مِنْ سَجْدَتَيْنِ رَفَعَ يَدَيْهِ كَذَلِكَ .
تضمنت الأحاديث
المذكورة في صفة الصلاة: أنه لا يرفع يديه وهو جالس، وأنه يرفعهما بعد القيام من
التشهد الأوسط، وهذا بخلاف ما يفعله بعض الإخوان، يرفعون أيديهم وهم جلوس بعد
التشهد، وهو كما ترى مخالف لهديه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما أن الركعتين الأخريين من
الصلاة بمنْزلة المنفصلتين عن الأوليين، فأشبه التكبير فيهما تكبيرة الإحرام في
الأوليين، ومما يقويه أنّهم قالوا إذا سها فاستتم قائما لا يرجع، وإذا لم يستتم
رجع، ومعلوم أنه لا يرجع بعد افتتاحه الركعتين، وإنما يفتتحهما بالتكبير، وهذا
واضح بحمد الله.
حجة من قال لا يرفع يديه إلا عند تكبيرة
الإحرام: في سنن الترمذي
والنسائي وأبي داود قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: أَلا أُصَلِّي بِكُمْ
صَلاةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فَصَلَّى فَلَمْ يَرْفَعْ
يَدَيْهِ إِلَّا فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ، قال الترمذي: حديث حسن، وبه يقول غير واحد
من أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم والتابعين، وهو قول سفيان الثوري
وأهل الكوفة. انتهى. وكذا هو قول مالك وأصحابه، وحجتهم عمل أهل المدينة، والجواب
أنا نقول: نحن لا نطعن في حسن الحديث، ولكن هذا محمول عندنا على جواز ترك الرفع في
غير تكبيرة الإحرام، وأنّهما سنتان ثابتتان من فعله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فننفصل عن النّزاع بحسن الوفاق،
والله المستعان.
إشكالات في صفة الصلاة: هل يقوم المأموم وراء
إمامه سمع الله لمن حمده؟ ثبت في الصحيحن وغيرهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم قَالَ: إِنَّمَا جُعِلَ
الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ... وَإِذَا قَالَ سَمِعَ
اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ . وفي صحيح مسلم 404: وَإِذَا
قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ
الْحَمْدُ يَسْمَعُ اللَّهُ لَكُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم سَمِعَ
اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وهو كما ترى صريح في أن المأموم يكتفي بقول ربنا ولك الحمد.
إشكالات في صفة الصلاة: هل يسجد مقدما يديه أو
ركبتيه؟ قَالَ وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى
الله عليه وعلى آله وسلم إِذَا سَجَدَ يَضَعُ رُكْبَتَيْهِ
قَبْلَ يَدَيْهِ. قال الترمذي: والعمل
عليه عند أكثر أهل العلم. وروى أَبو
هُرَيْرَةَ: عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَضَعْ
يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ وَلَا يَبْرُكْ بُرُوكَ الْبَعِيرِ . فنظر بعضهم إلى قوة إسناد حديث أبي
هريرة، فقدمه في الاحتجاج، وطعن في حديث وائل بشريك، والجواب أن الحديثان متفقان
ويدلان على أن السنة تقديم الركب: فأما الأول فصريح، وأما الثاني،
فقد كان الصحابة يسجدون على الركب اقتداء بالنبي صلى
الله عليه وعلى آله وسلم، فلما رأى من بعضهم ما يشبه بروك البعير، أمرهم أن يبدؤوا باليدين صيانة
لركبهم من أن تُؤلِمَهَا الأرض، وحفاظا على السكون المطلوب في الصلاة.
إشكالات في صفة الصلاة: ما جاء في الجثو على
الركب وأنه علامة لإظهار الذل والسكينة؟ في البخاري: لما أكثر الناس من سؤال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فبرك عمر على ركبتيه فقال رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم نبيا؛ وفيه أيضا لما غضب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من عمر إذ سأله أبو بكر أن يغفر
له فأبى، فجثا أبو بكر على ركبتيه وقال يا رسول الله والله إنا كنت
أظلم، وفي حديث جبريل فجاء فأسند
ركبتيه إلى ركبتي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفي صحيح مسلم أن رزيق بن حيان لما
سئل عن حديث فجثا على ركبتيه واستقبل القبلة فقال إي والله لسمعته من مسلم بن
قرظة عن عوف بن مالك الأشجعي عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وفي صحيح مسلم أن أبا
إدريس الخولاني كان إذا حدث بحيث (إني حرمت الظلم على نفسي) جثا على ركبتيه، وفي مسند أحمد أن شهاب بن مدلج حدثه أبو هريره حديثا، وقال أنت سمعته؟
قال نعم، فجثا على ركبتيه، وفي المعجم الأوسط للطبراني أن
النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خرج يستسقي بالناس، فَلَمَّا قَضَى
صَلاتَهُ اسْتَقْبَلَ الْقَوْمَ بِوَجْهِهِ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وقال تعالى في الكافرين: (ثُمَّ
لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جُِثِيًّا)، أي باركين على الركب من هول المشهد، كل هذه النصوص تدل على أن الجثو
على الركب علامة على الخشوع.
إشكالات في صفة الصلاة: ما جاء في جلسة
الاستراحة: جاءت فيها ثلاثة
أحاديث: حديث مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ عند البخاري وفيه: يَجْلِسُ إِذَا
رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ قَبْلَ أَنْ يَنْهَضَ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى. وحديث
أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ عند الترمذي وأحمد وأبي داود وفيه:
ثُمَّ أَهْوَى سَاجِدًا ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ ثَنَى رِجْلَهُ
وَقَعَدَ وَاعْتَدَلَ حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عَظْمٍ فِي مَوْضِعِهِ ثُمَّ نَهَضَ .
حديث العباس في صلاة التسبيح: وفيه: ثُمَّ ارْفَعْ رَأْسَكَ
فَقُلْهَا عَشْرًا قَبْلَ أَنْ تَقُومَ، يعني سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا
الله، والله أكبر. فهذه الأحاديث كما ترى، فما الجواب عنها؟
لا شك أن الأحاديث
الواردة في هذه الجلسة هي حجة لمن يراها سنة في الصلاة، فهو يأتي بِهذه الجلسة
اقتداء بالنبي صلى
الله عليه وعلى آله وسلم: فإن مالك بن الحويرث الذي روى هذه الجلسة هو الذي قال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: صلوا كما رأيتموني أصلي، لكن يبقى النـزاع في مسألة: وهي:
هل الإتيان بِهذه الجلسة من تمام الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في صلاته، أو أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم فعلها للحاجة، أو من أجل الذكر
المشروع في صلاة التسبيح، فلا فرق في تمام الاقتداء بين من يأتي بِها ومن يتركها ؟
والجواب أنا نرجح الثاني، لحجج ٍ سنوردها .
من حجج الذين لم
يقولوا بِهذه الجلسة، أن كبار الصحابة وأهل الرواية منهم لسنن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يذكروها، ورُدَّت هذه الحجة بأن السنن الثابتة، قد أخذت عنهم جميعا،
والجواب أنا نقول: الحجة هنا ليست في عدم ذكرهم لهذه الجلسة، وإنما لم تثبت عنهم
في فعلهم، وفعلهم هنا حجة قوية، والدليل على هذا ما عند البخاري 819: في حديث مَالِكِ
بْنَ الْحُوَيْرِثِ؛ قَالَ أَيُّوبُ: كَانَ
يَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ أَرَهُمْ يَفْعَلُونَهُ. فهذا أيوب السختياني من صغار التابعين، لم يعرف هذا من هدي الصحابة ولا
التابعين، فيترجح عندنا أنه صلى
الله عليه وعلى آله وسلم فعلها للحاجة لما كبر، ولا ننكر على من يعتبرها سنة، والله أعلم .
وأما الجواب عن حديث العباس، فهو: أن هذه الجلسة هنا جاءت من أجل الذكر الذي قُصدَ الإتيان به، وهو
كما ترى سيجلس هنا حتى يقول عشر مرات: سبحان
الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، فلم تعد جلسة للاستراحة، وإنما هي جلسة مقصودة للذكر، وذلك حتى يتأتى له
الإتيان بِهذا الذكر بعد إتمام كل ركن من أركان صلاته، فهو يقولها بعد إتمام
قيامه، وهكذا، فهو إنما يجلس من أجل هذا الذكر فحسب، فلذلك قالوا: لو كانت هذه
الجلسة سنة لشرع لها ذكر مخصوص (كما في صلاة التسبيح) ولما لم يشرع لها ذكر ترجح
أنه فعلها للحاجة بعد كبر وبدَن، والله أعلم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق