باب السهو في الصلاة:
روى الشيخان من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
" إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي جَاءَ
الشَّيْطَانُ فَلَبَسَ عَلَيْهِ، حَتَّى لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى، فَإِذَا وَجَدَ
ذَلِكَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ ".
فيه أن الشيطان يتربص للإنسان ويصده عن كل خير: قال
تعالى: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا، إِنَّمَا
يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) [سورة: فاطر - الأية: 6].
وفيه أن سكون الظاهر وطمأنينة الجوارح الظواهرة
هو الواجب في الصلاة، أما سكون الباطن، فهذا أمر غير مقدور لكثير من الناس.
وفيه أن سجود السهو سجدتان، يسجدهما وهو جالس.
حكم سجود السهو في الصلاة:
سجود السهو واجب، وتبطل الصلاة بتركه، فإن كان
قبليا قضاه بعد السلام، وإن لم يقضه وطال الفاصل أو خرج من المسجد بطلت الصلاة.
ووجبت إعادتها. وإن كان بعديا وجب عليه قضاؤه متى ذكره ولو بعد سنوات.
صفة سجود السهو في الصلاة:
يكبر ثم يسجد ثم يرفع ثم يسجد ثم يرفع، ويتشهد
إن كان سجودا بعديا، ثم يسلم بعده، وأما القبلي فيتشهد له على المشهور في مذهب
المالكية، والراجح أنه لا يتشهد للقبلي.
أقسام السهو في الصلاة:
يكون السهو إما من نقصان
سنة من سنن الصلاة، ويكون السجود له قبل السلام. أما الفرائض فلا يتصور
النقصان فيها، بل ينبغي أن يأتي بها.
ويكون من زيادة
فريضة من فرائض الصلاة، ويكون السجود له بعد السلام,
ويكون من الشك في
الصلاة، ويكون السجود له بعد السلام على المشهور.
ويكون من الخروج من
الصلاة قبل إتمامها.
وإذا اجتمعت الزيادة والنقصان سجد لهما قبل
السلام.
الزيادة في الصلاة:
أخرج الشيخان من حديث عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود
قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ الظُّهْرَ خَمْسًا، فَقَالُوا أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ:
وَمَا ذَاكَ؟ قَالُوا صَلَّيْتَ خَمْسًا، فَثَنَى رِجْلَيْهِ وَسَجَدَ
سَجْدَتَيْنِ. وهذا السجود بعد السلام. وفي رواية لهما: فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ
ثُمَّ سَلَّمَ.
الشك في الصلاة:
أخرجا الشيخان من حديث عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ
الصَّوَابَ، فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ ".
أخرج مسلم من حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ
صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا، فَلْيَطْرَحْ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا
اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِنْ كَانَ
صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا
لِأَرْبَعٍ كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ ". ولكن على المذهب يسجد
للشك بعد السلام.
وأخرج الترمذي وأحمد من حديث عَبْدِ الرَّحْمَنِ
بْنِ عَوْفٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
يَقُولُ: " إِذَا سَهَا أَحَدُكُمْ فِي
صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ وَاحِدَةً صَلَّى أَوْ ثِنْتَيْنِ فَلْيَبْنِ عَلَى
وَاحِدَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَدْرِ ثِنْتَيْنِ صَلَّى أَوْ ثَلَاثًا فَلْيَبْنِ عَلَى
ثِنْتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَدْرِ ثَلَاثًا صَلَّى أَوْ أَرْبَعًا فَلْيَبْنِ عَلَى
ثَلَاثٍ وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ". والمعتمد
في المذهب هو البناء على اليقين لأن الزيادة أفضل من النقصان.
النقصان في الصلاة:
أخرج الشيخان من حديث عَبْدِ
اللَّهِ بن مالكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ:
صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ
مِنْ بَعْضِ الصَّلَوَاتِ، ثُمَّ قَامَ فَلَمْ
يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ وَنَظَرْنَا
تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ
ثُمَّ سَلَّمَ.
وعلى هذا الحديث من ترك سنة من سنن الصلاة وجب
عليه السجود قبل السلام.
الخروج من الصلاة قبل
إتمامها:
أخرج الشيخان من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: صَلَّى
بِنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظُّهْرَ أَوْ الْعَصْرَ ركعتين
فَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ: أَقَصُرَتْ
الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
لِأَصْحَابِهِ: أَحَقٌّ مَا يَقُولُ؟ قَالُوا: نَعَمْ؛ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ
أُخْرَيَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ،
ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ فَسَجَدَ
مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ.
وروى مسلم من
حديث عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ صَلَّى الْعَصْرَ فَسَلَّمَ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ دَخَلَ
مَنْزِلَهُ فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ الْخِرْبَاقُ وَكَانَ فِي
يَدَيْهِ طُولٌ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَكَرَ لَهُ صَنِيعَهُ، وَخَرَجَ
غَضْبَانَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى النَّاسِ، فَقَالَ: أَصَدَقَ
هَذَا؟ قَالُوا نَعَمْ، فَصَلَّى رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ
سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ.
وفي سنن
الترمذي من حديث عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِهِمْ فَسَهَا، فَسَجَدَ
سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ تَشَهَّدَ ثُمَّ سَلَّمَ ". قَالَ أَبُو عِيسَى الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وعلى هذا من
خرج من صلاة قبل إتمامها، فإنه يصلي ما ترك، ثم يسجد بعد السلام، ويتشهد ثم يسلم.
سهو الإمام وراء إمامه:
إذا سها المأموم وراء إمامه لم يحمل عنه الإمام
ذاك السهو، فمثلا إن ترك سجدة من ركعة، وفات محلها وجب عليه أن يضيف ركعة بعد
تسليم الإمام، ثم يسجد سجودا بعديا. ويسجد المأموم المسبوق وراء الإمام السجود
القبلي، وأما البعدي فيؤخره حتى يسلم.
عمل المأموم إذا سها الإمام:
يسبح المأموم لتنبيه إمامه، كما يجوز له تكليم
إمامه بما فيه مصلحة الصلاة. أخرج الشيخان من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ ".
وأخرج الشيخان من حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال: رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ " مَنْ رَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ
فَلْيُسَبِّحْ، فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ الْتُفِتَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا
التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ ". وكان النساء يصلين خلف الرجال.
وفيه دليل بحسب ظاهره أن المرأة لا يرخص سماع
صوتها بحضرة الرجال الأجانب، ولكن قد
يكون خاصا بحال الصلاة، وهذا أولى والله أعلم.
مسائل:
من قام إلى ركعة زائدة، فإنه يرجع متى ذكر،
ويسجد بعد السلام. وإن لم يتذكر حتى قضى الركعة أو سلم سجد بعد السلام.
من ترك سجدة من ركعة، فإنه يرجع إليها ما لم
يركع، فإن ركع ألغى الركعة المتقدمة.
من قام إلى ثالثة في النافلة رجع ما لم يركع
وسجد بعد السلام، فإن ركع أضاف إليها رابعة ولا شيء عليه. وقال أصحاب مالك: يسجد
البعدي، والصواب أنه لا شيء عليه.
من نسي تكبيرة الإحرام أو شك فيها قطع وأعاد حيث
ذكر.
من سلم قبل إمامه كبر وعاد ما لم يسلم، ولا شيء
عليه، فإن سلم الإمام بطلت صلاته وأعاد الصلاة.
إذا نسي الإمام قراءة الفاتحة في ركعة من
الركعات بطلت تلك الركعة، وأما المأموم فلا شيء عليه إذا قرأها الأمام.
من تذكر سجدة نسيها من ركعة بعد السلام أعاد
ركعة بكاملها وسجد بعد السلام منها.
من نسي السلام من صلاته وطال الفصل أو خرج من
المسجد بطلت صلاته، وإن لم يطل ولم يخرج من المسجد ولم يتكلم رجع فسلم، ثم سجد
للسهو بعد السلام.
من نسي قراءة السورة بعد الفاتحة في الركعتين
الأوليين يسجد قبل السلام، وإن زاد على الفاتحة في الركعتين الأخريين فلا شيء
عليه.
من أسر في الجهرية سجد قبل السلام، ومن جهر في
السرية سجد بعد السلام، على المشهور من مذهب المالكية، والراجح أنه ليس عليه شيء.
من ترك التشهد الأوسط ففارق الأرض بيديه سجد قبل
السلام، وإن تذكر قبل مفارقة الأرض بيديه جلس ولا شيء عليه. ففي سنن أبي داود وابن
ماجه ومسند أحمد من حديث الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا قَامَ
الْإِمَامُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، فَإِنْ ذَكَرَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوِيَ قَائِمًا
فَلْيَجْلِسْ، فَإِنْ اسْتَوَى قَائِمًا فَلَا يَجْلِسْ، وَيَسْجُدْ سَجْدَتَيْ
السَّهْوِ ".
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق